الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
62
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
تشير الآية ( 257 ) من سورة البقرة إلى هذا الموضوع فتقول : الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون . وبما أن العين المبصرة وحدها لا تكفي لتحقق الرؤية ، فيجب توفر النور والإضاءة أيضا لكي يستطيع الإنسان - الإبصار بمساعدة هذين العاملين - تضيف الآية التالية : ولا الظلمات ولا النور . لأن الظلام منشأ الضلال ، الظلام سبب السكون والركود ، الظلام مسبب لكل أنواع المخاطر ، أما النور والضياء فهو منشأ الحياة والمعيشة والحركة والرشد والنمو والتكامل ، فلو زال النور لتوقفت كل حركة وتلاشت جميع الطاقات في العالم ، ولعم الموت العالم المادي - بأسره ، وكذلك نور الإيمان في عالم المعنى ، فهو سبب الرشد والتكامل والحياة والحركة . ثم تضيف الآية ولا الظل ولا الحرور فالمؤمن يستظل في ظل إيمانه بهدوء وأمن وأمان ، أما الكافر فلكفره يحترق بالعذاب والألم . يقول " الراغب " في مفرداته : الحرور : ( على وزن قبول ) الريح الحارة . واعتبرها بعضهم " ريح السموم " وبعضهم قال بأنها " شدة حرارة الشمس " . ويقول " الزمخشري " في الكشاف : " السموم يكون بالنهار ، والحرور بالليل والنهار ، وقيل بالليل خاصة " ( 1 ) ، على أية حال ، فأين الحرور من الظل البارد المنعش الذي يبعث الارتياح في روح وجسم الإنسان . ثم يقول تعالى في آخر تشبيه : وما يستوي الأحياء ولا الأموات . المؤمنون حيويون ، سعاة متحركون ، لهم رشد ونمو ، لهم فروع وأوراق وورود وثمر ، أما الكافر فمثل الخشبة اليابسة ، لا فيها طراوة ولا ورق ولا ورد ولا ظل لها ، ولا تصلح إلا حطبا للنار .
--> 1 - الكشاف ، الجزء 3 ، ص 608 .